تحليل: شيلادزي والاحتجاج … المدينة التي صنعت اسمها في الذاكرة الكردية

شيلادزي والاحتجاج … المدينة التي صنعت اسمها في الذاكرة الكردية

أُطلق سراح خمسة من معتقلي الرأي في قضية شيلادزي، هذا الاسبوع، بعد قضائهم احكامهم بالسجن. القي القبض عليهم في كانون الاول 2020 لمحاولتهم تنظيم تظاهرات ضد حكومة إقليم كردستان

يمثل اطلاق السراح هذا فصل الختام في قصة مدينة شيلادزي الجبلية مع الاحتجاج. شهدت المدينة حركة احتجاجية نادرة في مطلع عام 2019. يحتفي المعارضون الاكراد بهذه الحركة التي يعتبرونها لحظة شجاعة وجرأة في هذه المدينة الصغيرة ضد السلطات في الإقليم وضد الوجود العسكري التركي فيها.

شيلادزي، التابعة لقضاء العمادية في محافظة دهوك، تبعد حوالي 20 كيلو متر عن الحدود التركية و 70 كيلو متر عن مدينة دهوك. يسكنها حوالي 40 الفا، يمتهن معظمهم الزراعة وتربية المواشي.

دخلتها قوات تركية و أنشأت قاعدة هناك تمركزت فيها على نحو دائم. كان هدف هذا التمركز هو تعقب مسلحي حزب العمال الكردستاني في جبال شيلادزي الوعرة.

استخدم هؤلاء المسلحون حينها هذه الجبال كأماكن للتدريب والتخطيط لشن عمليات مسلحة في الداخل التركي.

بالإضافة الى الاشتباك مع مسلحي الحزب، كانت هذه القوات تنسق مع الطيران العسكري التركي للقيام بضربات جوية في المناطق الوعرة التي يتحرك فيها هؤلاء المسلحون. كثيرا ما تسببت هذه الضربات و الاشتباكات بسقوط ضحايا مدنيين من المزارعين ومربي المواشي الذين اعتادوا استخدام هذه المناطق الجبلية للزراعة والرعي.

أجبرت هذه الأوضاع المضطربة بعض السكان على مغادرة المنطقة والهجرة الى المدن.

كان الغضب يتصاعد لدى الأغلبية التي بقيت بسبب استمرار سقوط الضحايا جراء القصف والاشتباكات.

انفجر هذا الغضب، ليتحول الى احتجاج كبير امام القاعدة التركية في شهر كانون الثاني 2019 بعد مقتل ستة مدنيين في العمليات العسكرية على مدى أسبوع.

رفع المئات من الشباب المحتجين شعارات مناهضة ضد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، مطالبين بإخلاء القاعدة العسكرية التركية. قاموا بحرق دبابة تركية. رد الجنود الاتراك بأطلاق النار عليهم، ما أدى الى قتل طفل بعمر 13 عاما، وأصيب 16 مدنياً بجروح.

السلطات، خصوصا الامن الكردي، تفاجأت حين خرجت الحشود بعفوية لتحتج امام القاعدة التركية.

في اليوم التالي اعتقلت قوات الأمن الكردية، الاسايش، التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم، العشرات من المحتجين.

اتهمت حكومة الإقليم اياد “فوضوية” بانها وراء الاحتجاجات في شيلادزي، وتعهدت بإجراء تحقيق شامل لـ “معاقبة” الجناة.

عبرت الحكومة عن قلقها من الأحداث، وحزنها بسبب سقوط الضحايا، وعزت عوائلهم.

قضى المعتقلون اشهرا في السجون، واطلق سراحهم تدريجيا، بعد تصاعد مطالبات من المجتمع المدني للإفراج عنهم، وتعاطف الرأي العام الكردي معهم.

مثلت هذه الحادثة مفاجئة كبرى في السياق الكردي العام، إذ لم يعرف عن محافظة دهوك تنظيمها احتجاجات علنية كبيرة تزعج السلطات، فهي تعتبر معقلا آمنا للحزب الديمقراطي الكردستاني.

للحزب الديمقراطي الكردستاني حينها علاقات قوية مع أنقرة. وضعتها الاحتجاجات، الخارجة من منطقة تعتبر موالية لها، في موقف حرج.

كسرت هذه الاحتجاجات حاجزا نفسيا كان يمنع أهالي المنطقة من الاحتجاج ضد السلطة التي اعتادوا الولاء لها، اذ حدث احتجاجان تاليان في المنطقة في عام 2019 و2020 ضد الوجود العسكري التركي وحكومة الإقليم.

بعد أربعة اشهر من المظاهرة الأولى وعلى اثر مقتل خمسة مدنيين في المدينة جراء القصف التركي، خرجت مظاهرة واسعة أخرى في المدينة ضد القاعدة التركية نفسها. أدت الى مواجهات، اذ قامت قوات الأمن بتفريق المتظاهرين بالقوة، واعتقلت حوالي 10 منهم.

روح الاحتجاج المقلقة للسلطات امتدت الى المدينة، ففي نهاية عام 2020 اعتقلت قوات الامن خمسة ناشطين فيها بتهمة التخطيط لمظاهرات ضد الحكومة.

حدث الاعتقال على خلفية تظاهرات ضد الحكومة في مدن كردية كثيرة بضمنها السليمانية وحلبجة، احتجاجا على تردي الأوضاع المعيشية. قمعت قوات الامن هذه المظاهرات التي قتل فيها ثمانية متظاهرين.

في القضايا المتعلقة بحرية التعبير، تؤخر محاكم الإقليم النظر في القضايا المقدمة اليها مما يؤدي الى بقاء المحتجزين في المعتقلات لفترات أطول.

هذا ما حصل لمعتقلي شيلادزي، اذ بقوا في الاعتقال من دون محاكمة نحو عام ونصف، قبل ان تصدر المحكمة حكما بالسجن لسنتين بتهمة “محاولة المساس بالأمن القومي لإقليم كوردستان”.

في المواجهات الاحتجاجية بين المدينة والسلطات، وقف معظم الجمهور الكردي والاعلام و منظمات حقوق الانسان مع المحتجين.

انتقدوا تعامل السلطات مع اهل المدينة وطالبوا بإطلاق سراح المحتجزين و عارضوا الاحكام الصادرة بحقهم، معتبرين إياها جائرة.

اسم شيلادزي اصبح مقترنا بالفخر الاحتجاجي، اذ احتفى ناشطون في الإقليم وفي المدينة باطلاق العاب نارية في الجو فرحا بحرية معتقلي شيلادزي، وحملوهم على الاكتاف في شوارع المدينة.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":29235}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">