تحقيقات استقصائية: يحدث في كردستان فقط.. نساء يحصلن على رتب عسكرية ويحلن الى التقاعد بيوم واحد

يحدث في كردستان فقط.. نساء يحصلن على رتب عسكرية ويحلن الى التقاعد بيوم واحد

في إقليم كردستان الذي يتمتع بالاستقلال الإداري والسياسي عن بغداد منذ العام 1991، يوجد نحو مليون و274 ألف شخص يتقاضون رواتب من الحكومة يتوزعون بين موظفين مدنيين وعسكريين وسجناء سياسيين الى جانب شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة. أكثر من 250 ألفاً من عموم متلقي الرواتب هم من المتقاعدين، ونحو 60 بالمائة منهم عسكريون سابقون".

العالم الجديد/ بهجت عبيد

آذار مارس 2022

يضطر المتقاعدون العسكريون الكرد رجالاً ونساء للوقوف ساعات في طوابير طويلة أمام منافذ الدفع في دائرة التقاعد بمحافظة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، منتظرين أن تحين أدوارهم لتسلم رواتبهم التقاعدية التي يقولون بأنها “غير مجزية”.

يقول نوري (66 عاماً) ثم يترك محله وسط الطابور ويشير إلى طابور النساء المتقاعدات المجاور: “من أين أتين كل هؤلاء؟ الذي أعرفهُ أننا نحن مقاتلو البيشمركة الذين ناضلنا قبل عقود في الجبال ضد نظام البعث، كنا كلنا رجالا!”.

عاد نوري بسرعة إلى محله كي لا يفقده وقال بإحباط: “يجبروننا على الوقوف بهذا الإذلال شهراً بعد شهر تحت لهيب أشعة الشمس صيفاً أو زخات المطر شتاءً، ومعنا كل من هب ودب، ليسلمونا في النهاية 500 ألف دينار فقط”.

ثم التفت إلى رفيقه الواقف خلفه وسأله: “كم يصبح راتبنا بالدولار؟” أجابه الآخر وهو غير متأكد: “ربما 335 دولاراً”.

فكر نوري لبرهة ثم قال: “هذا ما أحصل عليه لقاء أكثر من 30 سنة قضيتها في صفوف البيشمركة، سنوات صعبة عشناها في الجبال ونحن نواجه نظام البعث”.

ترد عليه سيدة في الطابور الموازي دون أن تنظر ناحيته: “لا يحتاج النضال صعود الجبال فقط، فهناك من قدم الغالي من أمثالنا دون حاجة للاختباء في الكهوف!”.

البيشمركة اسم يطلق على حرس إقليم كردستان من القوات العسكرية التي تضم مقاتلين كردا، ويعني الاسم باللغة الكردية “المضحون بحياتهم”.

في إقليم كردستان الذي يتمتع بالاستقلال الإداري والسياسي عن بغداد منذ العام 1991، يوجد نحو مليون و274 ألف شخص يتقاضون رواتب من الحكومة -وفقاً لمسؤول رفيع في وزارة المالية والاقتصاد بحكومة كردستان- يتوزعون بين موظفين مدنيين وعسكريين وسجناء سياسيين الى جانب شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة.

يردد مسؤولون حكوميون ونواب في برلمان كردستان أرقاماً أخرى تقريبية وفي الغالب يتكرر رقم مليون و250 ألف متلقي راتب، حيث لا يوجد رقم دقيق لدى حكومة الإقليم في ظل وجود عشرات الآلاف ممن يتلقون الرواتب ضمن ألوية عسكرية لم تندمج بعد بشكل كامل في الهيكلية الحكومية.

ويتصدّر المنتسبون في الأجهزة الأمنية من وزارتي الداخلية والبيشمركة ومجلس أمن كردستان، عموم موظفي الوزارات والدوائر من ناحية عدد متلقّي الرواتب.

يقول المسؤول الذي طلب عدم إيراد اسمه: أن “نحو 250 ألفاً من عموم متلقي الرواتب هم من المتقاعدين، ونحو 60 بالمائة منهم عسكريون سابقون”.

ويلفت المسؤول الى أن عدداً كبيراً من هؤلاء ومن كلا الجنسين مُنِحوا رُتباً عسكرية ورواتب تقاعدية شهرية دون أن يكونوا قد التحقوا بالكلية العسكرية.

ومع غياب الأرقام الرسمية، يقدر متابعون لملف الموظفين أعداد متلقي الرواتب عموماً من غير المدنيين بما يتراوح بين 300 ألف إلى 340 ألفا. وأكد النائب في برلمان كردستان دابان محمد، خلال تصريحات نشرها في نهاية آذار 2021 ان نحو 50 بالمائة من الرواتب تذهب الى موظفين في السلكين العسكري والأمني.

مقاتلات متقاعدات

يردد نوري بصوت خفيض وكأنه يحدث نفسه: “لم أضع أي نجمة فوق كتفي، لكنني حملت البندقية ودخلت معارك كثيرة ورأيتُ الموت بعيني مراتٍ ومرات، وها هم يُساوونني مع من لا يفرق بين مسدس وبندقية!”، ويقول ذلك بسخرية مادا قدمه خطوة إلى الأمام مع حركة الطابور وهو يرمق السيدة في الطابور الآخر بطرف عينه.

اتهمت الحكومة الاتحادية في بغداد طوال سنوات، حكومة إقليم كردستان بتقديمها قوائم تضم أسماء موظفين “فضائيين” أي مجرد أسماء على الورق دون وجود فعلي على الأرض أو أسماء موظفين يتقاضون أكثر من راتب واحد، في ما تقول حكومة الإقليم إنها عالجت تلك المشكلة ففرضت استلام راتب واحد فقط وأبعدت “الفضائيين” وغير المستحقين، لكن كل ذلك لم يُحل مشكلة الإقليم مع بغداد، وما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.

كما تتهم الحكومة الاتحادية حكومة الإقليم بتقديمها قوائم موظفين بعدد يزيد عن مليون و250 ألفاً في حين تبلغ أعدادهم المسجلة في بغداد نحو 680 ألفا فقط. ويتردد هذا باستمرار على ألسِنة المسؤولين في العاصمة.

هذا التباين الكبير في الأرقام أدى الى وقوع أزمات بين الحكومتين، طوال السنوات الثمانية الماضية والتي شهدت صراعاً بشأن حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية وبقي الحال على ما هو عليه دون حسم على الرغم من المفاوضات المستمرة بين الطرفين ومحاولة إيجاد حل وسط يعتمد في الموازنات المالية الاتحادية.

مرتبات عالية

تواصل معد التحقيق طوال أسبوعين مع مسؤولين في وزارتي البيشمركة والمالية والاقتصاد في إقليم كردستان، لمعرفة الأرقام الدقيقة أو التقريبية لأعداد النساء المتقاعدات برتبٍ عسكرية، غير أن الجميع اعتذروا عن إعطاء أية أرقام “لحساسية الموضوع”، وفقاً لتعبير البعض منهم.

هذا التكتم على الأرقام الفعلية للمتقاعدات، فتح باباً واسعة أمام التأويلات، فهناك من يعتقد بأن أعدادهن بالآلاف، وآخرون يقولون إنهن مئاتٌ فقط.

في كل الأحوال، يقول أحد أفراد البيشمركة الذي التحق بـ”الثورة الكردية” مطلع سبعينات القرن الماضي: “نعم كان يمكن أن تجد في صفوفنا بضع نساء مقاتلات أو رافقن أزواجهن في مناطق المواجهات، لكن أرقام المتقاعدات الحالية لا يعقلها أحد”.

وتتباين المرتّبات الشهرية للمتقاعدات برتبٍ عسكرية مختلفة في كردستان -وفقاً لما حصل عليه معدّ التحقيق من وزارة البيشمركة- فهي تبلغ مليوناً و638 ألف دينار عراقي (1106 دولار أميركي) لمن هنّ برتبة “عميد” وهي أعلى رتبة عسكرية مُنحت للنساء حتى الآن، فيما تبلغ في أدنى رتبة عسكرية وهي “جندي” 355 ألف دينار (239 دولار أميركي).

(ر،ع) متقاعدة برتبة نقيب عسكري، من مواليد 1969 تتقاضى راتباً تقاعدياً مقداره 959 ألف دينار عراقي، ما يعادل نحو 647 دولاراً أمريكياً تنتمي للحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل. تقول بأنها عملت في مجال التعليم كمُعلمة لنحو 20 سنة وقبلها كانت ناشطة في اتحاد الطلبة بأربيل وجهدت من أجل رفد حزبها بدماء جديدة من زملائها الطلاب.

وقبل سنوات من الآن عرض عليها الحزب رتبة نقيب ومن ثم راتباً تقاعدياً يزيد عن 1600 دولار ودرجة حزبية قالت بأنها عالية جداً وتتقاضى عن ذلك أيضاً راتباً مجزياً.

هي ترى بأن ما تتقاضاه هو استحقاق نظير ما قدمته من خدمات تعتقد أنها تخدم بالمحصلة إقليم كردستان والقضية الكردية بنحو عام.

الانتقادات المتعلقة بالنسوة المتقاعدات لا تنصب على رواتبهن، بل على صفتهن بحد ذاتها كمتقاعدات وقبلها على حقيقة كونهن عسكريات، فلقد أخبر “العالم الجديد”، متخصص في مجال القانون من محافظة أربيل، أن دائرة التقاعد تخالف وبنحو واضح نصّ المادة (1) من قانون التقاعد الموحّد رقم 27 لسنة 2006، ثانياً الفقرتين (أ ، ب).

ويوضح أن الفقرتين قد حددتا شروط إحالة الموظف إلى التقاعد في واحدة من حالتين “عند إكماله سن الثالثة والستين من العمر وهي السن القانونية للتقاعد بغـض النظر عن مدة خدمته ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. أو إذا قررت اللجنة الطبية الرسمية المختصة عدم صلاحيته للخدمة”.

ويتابع القانوني الذي بدوره طلب عدم ذكر اسمه لدواعٍ أمنية، أن أياً من الشرطين لا يتوفر في غالبية النساء اللاتي مُنحن رتباً عسكرية ورواتب تقاعدية بموجبها، إذ تتراوح أعمارهن بين (40- 60) سنة، الى جانب عدم امتلاكهن خدمة فعلية، ولم يلتحقنّ أصلاً بالدراسة الأكاديمية العسكرية.

من أين أتت الرتب العسكرية؟

للإجابة عن هذا السؤال، كان علينا زيارة المؤسسات الحكومية المعنية، وبعد طول بحث، توصلنا إلى أن مئاتٍ من الاعلاميات والناشطات المدنيات اللواتي خدمن في صفوف الأحزاب الكبيرة في الإقليم، تم منحهن رتباً عسكرية عالية ومتوسطة لأغراض التقاعد وأغلبهنّ لم يتجاوزن العقد الخامس من أعمارهن.

هذه الحقائق معروفة لغالبية سكان الإقليم، وهي ليست أسراراً فقد كشفت عنها مصادر رسمية، أحدها مسؤول سابقٌ بارز في رئاسة الإقليم، قال بأن إجمالي أعداد من تمّت إحالتهم إلى التقاعد من أعضاء الأحزاب الكردية ذكوراً وإناثا بعد حصول كردستان على كيان شبه مستقل داخل العراق حتى العام 2014 بلغ نحو 82 ألف شخص وبعناوين مختلفة، تنوّعت ما بين وزير ووكيل وزير ومدير عام إلى أدنى درجة وهي جندي.

وجميع هؤلاء أعضاء حزبيون منحوا عناوين وظيفية وعلى أساسها أحيلوا الى التقاعد ومنحوا رواتب تقاعدية دون أن يكملوا خدمة وظيفية حسب ما ينص عليه القانون.

ويؤكد المسؤول السابق أن 56 ألفاً منهم أعضاء في الحزب الديمقراطي الكردستاني، و26 ألفاً ينتمون للاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير والأحزاب الكردية الأخرى.

حديث المسؤول أعلاه يتفق كثيراً مع ما كشفه عضو برلمان الإقليم علي حمه صالح بوجود نحو 50 ألفاً ممن يتقاضون رواتب تقاعدية برتب عسكرية مختلفة وبطرق غير قانونية، جميعهم محسوبون على البيشمركة.

وباستغراب شديد يقول صالح، إن الكثير من الشخصيات التي تتلقى رواتب تقاعدية عالية وبرتب عسكرية كانت تُقاتل في السابق الى جانب نظام حزب البعث وعملت ضدّ الثورة الكردية والشعب الكردي، وفقاً لتعبيره. ويؤكد بأن هذا الأمر الذي يصفهُ بـ”الظاهرة” انعكس سلباً حتى على اقتصاد كردستان “إذ يتطلب صرف تلك المرتبات ميزانية ضخمة من الموازنة العامّة”.

توظيف وإحالة فورية الى التقاعد

يُنبه الخبير القانوني وريا محمد إلى أن منح النساء رتباً عسكرية أو ترقيتهن وإحالتهن الى التقاعد في نفس اليوم أمر غير قانوني ولا يستند إلى أي بندٍ أو مادة دستورية أو قانونية “فهنّ يحصلن على رواتب وامتيازاتٍ دون أن يخدمن ولو ليوم واحد في أيٍ من الأجهزة الأمنية”، يقول وريا مكرراً ما تحدث به معظم من تحدثوا إلينا.

ويُشير إلى أن ما يصفها بدوره بالظاهرة، ليست بجديدة، لكنّها استفحلت مع تأسيس أول حزب كردي مُعارض في كردستان وهو حركة التغيير في العام 2009، فقد مرر منحهن رتباً عسكرية وإحالتهن الى التقاعد في نفس اليوم بمرسوم إقليمي وقعه رئيس الإقليم السابق مسعود بارزاني. وجاءت هذه الخطوة من الحزبين الحاكمين لمنع انشقاق الكثير من كوادرها الحزبية والانتماء لحركة التغيير.

ويؤكد ورياً عدم قانونية المرسوم الإقليمي، ويتساءل عن السند القانوني الذي يُجيز ترقية مئات النساء برتب عسكرية وإحالتهن الى التقاعد في اليوم ذاته دون أن يكملن فترة الترقية المعمول بها في السلك العسكري أو الأمني؟.

ويستبعد مصدرٌ رفيع المستوى في الإدعاء العام بكردستان وقف امتيازات النساء المتقاعدات برتبٍ عسكرية وان لم يكن لهن أيّ خدمة وظيفية أو لم يكملن السن القانوني للتقاعد، حتى وإن كانت أوامر احالتهن إلى التقاعد باطلة وغير قانونية. وذلك لأن حصولهن عليها صدر بمرسومٍ إقليمي من أعلى سلطة في كردستان وهو رئيس الإقليم السابق.

(ف،ح) متقاعدة برتبة عريف وهي من مواليد 1960 تنتمي للإتحاد الوطني الكردستاني في مدينة السليمانية، تتقاضى راتباً تقاعديا مقادره 446 ألف دينار، ما يعادل 301 دولاراً.

تقول بأنها أحيلت إلى التقاعد كتعويض ورد للجميل من قبل الحزب: “لأننا من عائلة قدمت سبعة شهداء، أربعُة أخوة، وثلاثاً من أولاد أشقائي خلال نضالنا ضد نظام البعث، ومازلت استلم راتبي التقاعدي منذ نحو 16 عاماً، رغم أنني موظفة لدى الحزب وأتقاضى منه راتباً شهرياً يتجاوز الـ 800 دولار”.

فساد اداري

يصف عضو اللجنة المالية في برلمان كردستان شيركو جودت ظاهرة تعيين الدّرجات الخاصة في أيّ مجالٍ كان بحكومة إقليم كردستان خلافاً لما تنص عليه بنود قانون التعيين والخدمة الإلزامية بـ”الفساد الإداري”.

ويقول: “هذا الفساد حصل لمراعاة وضع بعض الشخصيات من هنا وهناك، لكنه انتشر في مفاصل الحكم بكردستان، قسم منه يتعلق بالتعيين في الدّرجات الخاصّة والدّرجات الأخرى أيضاً في الخدمة الإلزامية وخصوصاً في الخدمة العسكرية”.

خرق القوانين في تعيينات النساء برتب عسكرية وإحالتهن إلى التقاعد أثّر بنحو واضح على ميزانية الإقليم الكردي الذي واجه في فترات تراجع أسعار النفط العالمية، أزمات مالية كبيرة عجز خلالها عن دفع رواتب الموظفين الحقيقيين لأشهر عديدة مما ولد حالة تذمر شعبية واسعة، واضطر لاعتماد نظام ادخار الرواتب الذي كان يترواح القطع فيه بنسب مختلفة تراوحت بين 18 إلى 70 بالمائة من الراتب، قبل أن يتم إلغاء الإدخار في آذار 2019، لكن وزارة مالية كردستان أعادت العمل بهذا النظام في العام 2021 لعدة أشهر وبنسب مختلفة.

تلك الأزمات جعلت الحكومة الكردية عاجزة عن دفع رواتب كاملة لموظفيها وادخار رواتب أشهر كاملة، وادخرت نسب كبيرة من رواتب 12 شهرا من سنة 2016 و11 شهرا من عام 2017 وادخرت كامل راتب شهر 12 للعام 2017، فيما قلصت نسبة الادخار في رواتب 11 شهرا لعام 2018، ما يرفع عدد الرواتب المدفوعة بالادخار إلى 34 شهرا حتى العام 2018.

وفي اثر ذلك، قررت الحكومة ادخار كامل رواتب الموظفين للأشهر الأربعة الأخيرة من سنة 2015 “أيلول (سبتمبر)– تشرين الأول (أكتوبر)– تشرين الثاني (نوفمبر)– كانون الأول (ديسمبر)”، وادخار كامل الراتب لشهر 12/2017 فيما لم تصرف سوى 9 أشهر من رواتب سنة 2019، مع استمرار عجزها عن دفع كامل رواتب الموظفين، الى جانب قيامها بايقاف الترفيعات الوطيفية منذ العام 2015.

وكانت الأزمة الاقتصادية في إقليم كردستان قد بدأت عام 2014 واستمرت لسنوات نتيجة تدهور علاقاته مع الحكومة الاتحادية وقطع الأخيرة حصّة الإقليم السنوية من الموازنة الاتحادية. وتم تحديد حصة كردستان من الموازنة المالية العامة في العراق لسنة 2021، بـ11 ترليوناً و482 ملياراً و394 مليون دينار.

وشملت حصة الإقليم من الموازنة، 8 ترليونات و161 مليار دينار كنفقات تشغيلية و3 ترليونات و271 مليار دينار للاستثمار و923 مليار و434 مليون دينار كنفقات حاكمة. ولم يتم تطبيق ذلك القانون بسبب الخلافات بين الحكومتين وتم اللجوء الى تسويات سياسية منحت وفقها الحكومة الاتحادية 200 مليار دينار شهرياً لحكومة الإقليم كسلفة لحين تسوية الخلافات قانونياً، وسط أنباء تكرر باستمرار عن نية قطع بغداد الـ200 مليار دينار.

وتحتاج كردستان إلى 895 مليار دينار شهرياً لدفع رواتب موظفيه بدون استقطاع، أي 10 ترليونات و 740 ملیار دینار في السنة.

ولا يوجد في إقليم كردستان ومنذ ثمان سنوات قانون للموازنة، لذا يستحيل مراقبة أبواب الصرف ومدى إلتزام الحكومة بها، في وقت لا توجد أرقام دقيقة عن العائدات الحكومية سواء من بيع النفط أو من رسوم المعابر وضرائب الدوائر، وسط تأكيد نواب بأن أقل من نصف عائدات المعابر تصل الى الحكومة، ونحو 45% من عائدات بيع النفط فالباقي يذهب الى مستحقات الشركات النفطية.

ويُشير جودت الى ما يصفها بالخروقات في التعيينات “فتحت جيوباً للفساد” وتم استغلالها من قبل بعض الأطراف (دون أن يسميها) وأدت بالنتيجة الى تفشي الفساد الإداري. ويلفت إلى أن قسماً من هذا الفساد الإداري “مُنظم ويقف خلفهُ مسؤولون كبار يجعلون منه ممراً لأنواع متجدّدة من الفساد الاداري داخل مرافق الحكم وخصوصاً في السلك العسكري “.

وينتقد عضو مالية برلمان كردستان عدم وجود أرقام أو احصائيات دقيقة توثّق أعداد المنتسبين في الأجهزة الأمنية سواء الموظفين أو المتقاعدين ولاسيما في المجال العسكري.

ويشدد جودت على عدم حصول البرلمان الكردستاني على رقم دقيق بأعداد الموظفين من حكومة الإقليم، ويقول بأن ماهو موجود “رقم اجمالي يفتقر الى التفاصيل”. ويشير كذلك الى عدم وجود صندوق مُعيّن للتقاعد في كردستان يُخصّص لتجميع الواردات التقاعدية وتنظيمها بشكل قانوني. ويستدرك” قسم من هؤلاء المتقاعدين هم من النساء العسكريات”.

الراتب مقابل الولاء الحزبي

يقول الباحث في الشأن السياسي الكردي احسان ملا فؤاد، أن الحكومة الكردية ولاسيما بعد 2005 مع ارتفاع عائدات بيع النفط وبالتالي حجم الموازنة القادمة من بغداد، حولت المواطنين في الإقليم إلى طبقة من الموظفين الذين يتقاضون رواتب حكومية، لتكسب وتضمن ولائهم الحزبي.

ويقول ملا فؤاد، إن “منح رتب عسكرية للأعضاء الحزبيين والنساء منهم تحديداً كانت من أوضح حالات الفساد التي قامت بها الحكومة الكردية.”

وجود هذه الأعداد الضخمة من النساء المتقاعدات برتبٍ عسكرية تحت ذريعة أنهن كنّ في صفوف البيشمركة أيام النضال ضد نظام البعث هو محل استغراب وتساؤل لدى الكثيرين من قدامى البيشمركة والكتاب والباحثين في الشأن الكردي بما فيهم ملا فؤاد الذي يقول بأن أعدادهن الحقيقية خلال فترة الكفاح المسلح قبل العام 1991 لم تكن تتجاوز في الحد الأقصى الـ 1000 امرأة.

ويحمل ملا فؤاد الحزبين الحاكمين مسؤولية ما يصفه بـ “الفساد الأكبر” المسجل في تاريخ كردستان.

من جهته، يقر غياث سورجي العضو البارز في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يهيمن على مناطق السليمانية وما تتبعها من أقضية ونواح، بإحالة حزبه الكثير من النساء إلى التقاعد برتبٍ عسكرية مختلفة.

يبرر: “الكل يشهد على وجود الكثير من النساء المقاتلات في صفوف بيشمركة الاتحاد الوطني الكردستاني قبل العام 1991. “

ويضيف: “لم تكن هنالك فقط نساءٌ مقاتلات، بل كثيرات عملن في مجالات مختلفة دعماً لقوات البيشمركة سواء في حقل الإعلام مثل هيرو ابراهيم أحمد عقيلة رئيس الجمهورية العراقي الأسبق جلال الطالباني التي وثّقت بعدسة كاميرتها مشاهد ولقطات حيّة ومأساوية لمعاناة الشعب الكردي وهم يتعرضون للقمع على أيدي عناصر النظام البعثي بالإضافة إلى رصدها لتضحيات قوات البيشمركة”.

ومع ذلك، يتفق سورجي مع جودت في أن منح نساء لم يخدمن في صفوف البيشمركة أو لم يؤدين أية واجبات عسكرية يدخل في خانة “الفساد”، مشدداً على عدم وجود أيّ مبرر لمنحهن هذه الرتب والإمتيازات التقاعدية.

ويعود سورجي، ربما في محاولة لتبرير ما حصل، الى التذكير بأن الكثير من زوجات القيادات العليا في الإتحاد الوطني الكردستاني كنّ يُرافقن أزواجهن في الجبال، وتحملنّ معهم “الويلات والمظالم من أجل القضية الكردية أيّام الكفاح المسلح”.

ينتقد الباحث في الشأن الاقتصادي الكردي محمد حسين، وبنحو عام وجود أعداد ضخمة من المتقاعدين العسكريين في إقليم كردستان، مبيناً أن تلك الأرقام أشبه ما تكون بأرقام متقاعدي جيوش تتبع دولاً كبيرة مثل مصر أو تركيا او ايران وليس لإقليم صغير مثل كردستان يتكوّن من أربع محافظات (أربيل، السليمانية، دهوك، حلبجة) ويبلغ عدد سكانه نحو خمسة ملايين نسمة فقط.

ويقول في حديث لـ”العالم الجديد”، بأن الدوافع السياسية ومحاولة كسب أصوات انتخابية هي السبب الرئيس لمنح كل هذه الرتب العسكرية لأعضاء الأحزاب أو لأقرباء المسؤولين المتنفذين في كردستان. وفقاً لزعمه.

ويتفق حسين على أن وجود أعداد كبيرة من الموظفين (الفضائيين) والمتقاعدين غير المستحقين للامتيازات التقاعدية خلافاً للقانون ساهم وبنحو أساسي في ضياع فرص التعيين والتوظيف لعشرات آلاف الخريجين من الجامعات والمعاهد ودفعهم للالتحاق بجيش البطالة المتنامي في الإقليم يوماً بعد آخر.

ويؤكد الباحث الاقتصادي أن إقليم كردستان بحاجة ماسة لموظفين في قطاعي الصحة والتربية بالدرجة الأساس، لكن وجود أعداد هائلة من المتقاعدين، خاصة العسكريين، يجعل الحكومة عاجزة عن تعيين الشباب وتوظيفهم في تلك القطاعات المهمة كما باقي مرافق الدولة لعدم وجود ميزانية كافية لتلك الدرجات الوظيفية.

ينهي عبد الكريم سردار، العام الخامس على تخرجه من كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة صلاح الدين بأربيل وما زال بانتظار فرصة للتعيين ليعيل بمرتبه الشهري أسرتهُ المعدمة. يقول بشيءٍ من الضيق وهو يقلب صحيفة محلية: “لا حظوظ كبيرة أمام البعيدين عن دوائر الأحزاب، فالفرص كلها بين أيدي أعضائها ومؤيديها”.

طوى الصحيفة ووضعها تحت إبطه ثم قال “هم وحدهم القادرين على سن قوانين خاصة بهم بحيث يكون بوسعهم أن يحصلوا على وظيفة مرموقة وتقاعد مجزي ودائمي منها في ذات اليوم!”.

المزيد عن تحقيقات استقصائية

تحقيقات استقصائية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":19496}" data-page="1" data-max-pages="1">