تحقيقات استقصائية: “التبرئة” وحدها لا تكفي لإعادة اندماجها.. عائلات داعش ممنوعون من العودة لمناطقهم في نينوى

“التبرئة” وحدها لا تكفي لإعادة اندماجها.. عائلات داعش ممنوعون من العودة لمناطقهم في نينوى

في محاولة لمعالجة أوضاع آلاف العائلات النازحة التي انتمى أبناؤها إلى “داعش”، من دون إيمان عقائدي بل لإعالة أنفسهم، لجأت الحكومة إلى تبني مفهوم “التبرئة” الذي يرتكز على التدقيق بأوضاع أفراد هذه العائلات قبل السماح لهم بالعودة إلى مناطقهم، لكن “التبرئة” المدعومة بمشاريع أممية تواجه رفضاً عشائرياً بسبب مفهوم الثأر. 

ريـاض الـحـمـدانـي

تمضي فاطمة موسى ساعاتٍ طويلة بالقرب من بوابة مخيم السلامية للنازحين جنوب شرق الموصل آملةً في وصول من يُعلمها بإمكانية عودتها مع أحفادها إلى ناحية الشورة جنوب الموصل، التي طردوا منها بسبب انتماء زوجها وأولادها الثلاثة لتنظيم داعش خلال سنوات حكمه للمنطقة بين 2014-2017.

فاطمة التي تخطت عامها الستين لا تجد ما تقنع به الناس خارج أسوار المخيم بأن أحفادها ألـ 27 لا يشكلون خطراً عليهم وأن من الظلم تحميلهم مسؤولية ما فعله آبائهم وجدهم:

” قمت بإجراءات التبرئة من زوجي وأولادي ويمكن لي التعهد بأي شيء يريدونه مني مقابل السماح لنا بمغادرة هذا السجن والرجوع إلى منازلنا” تقول ذلك وهي تشير إلى سور المخيم المتوج بالأسلاك الشائكة والذي يضم ثلاثة بوابات محصنة تمنع أي أحد من الدخول والخروج دون موافقات أمنية “.

تلك الأم المثقلة بآلام فقدان زوجها وأبنائها وتيتم أحفادها افترشت الأرض بعد أن أنهكتها أوجاع ساقيها وبقيت تطالع أحفادها الصغار المنخرطين في اللعب على مسافة قريبة قبل أن تقول “ما ذنب هؤلاء ليكبروا في هذا السجن، أليس هذا ظلما؟”.

تضيف بصوت مبحوح وهي توجه سبباتها نحوهم بينما مال لون وجهها للاحمرار “ألا يفكرون بردة فعل هؤلاء حين يكبرون محرومين من كل شيء، ألا يخشون من غضبهم؟”.

زوج فاطمة كان من مقاتلي تنظيم داعش ويدعى إبراهيم أحمد الجبوري قتلته غارة جوية مطلع 2017 خلال حرب تحرير نينوى حسبما أخبروها، لكنها تجهل المكان الذي قتل ودفن فيه. أما أبناؤها الثلاثة خالد ووليد ومصطفى، فلا تعرف عن الأول سوى أنه لحق بمصير أبيه وترجح حدوث ذلك خلال معارك تحرير شارع الفاروق في الجانب الأيمن للموصل ربيع 2017 هناك انقطعت أخباره والثاني مفقود ولم تسمع عنه أي شيء منذ سنوات، أما الأصغر فهو في قبضة القوات العراقية.

تماشياً مع الإجراءات القانونية المتبعة، صدرت بحق زوج وابناء فاطمة في 24 كانون الأول/ديسمبر 2019 على كتاب يحمل الرقم 9073 من محكمة تحقيق حمام العليل التابعة لمحاكم استئناف منطقة نينوى موجه إلى دائرة الأحوال المدنية في ناحية الشورة، يؤكد بأن زوجها وأولادها صادرة بحقهم أوامر قبض وفقاً للمادة4/ 1 إرهاب لانتمائهم لداعش.

ذلك الكتاب يمثل مستنداً قانونياً يتم بموجبه القبض على أي منهم في حال ظهوره. “رغم مقتلهم وانقطاع أخبارهم، ورغم انني تبرأت منهم قانونيا لكن ذلك لا يشفع لنا بالعودة” تقول فاطمة بغيظ.

 

15 ألف عائلة تنتظر المصالحات

 وبخلاف فاطمة، فإن أخرياتٍ وعلى الرغم من قلة أعدادهن مقارنة بآلاف العاجزين عن العودة، حظين بغفران من سكان المناطق التي نزحن عنها مع أطفالهن، كالسيدة (أم محمد) التي رفضت ذكر اسمها الصريح، إذ يقضي زوجها الذي سلم نفسه للسلطات الأمنية فترة حكم تمتد لخمسة عشر سنة في سجن الحوت بمحافظة ذي قار جنوبي العراق بتهمة الانتماء لتنظم إرهابي.

تقول بأنها عادت إلى ناحية الشورة حيث يتواجد أهلها الذين احتضنوها وجيرانها الذين رحبوا بها. وهي تريد مواصلة حياتها وأن لا تتوقف كثيراً عند تصرفات بعض السكان، ممن قالت أنهم يحاولون باستمرار إظهار كرههم لها ولأطفالها بسبب زوجها. وتابعت “ما فعله كان خارج إرادته، أعرف ذلك جيداً.. لقد تورط مثل الكثيرين مع التنظيم في لحظة عجز ويأس”.

الرائد أحمد من الحشد العشائري جنوب الموصل يقول بحكم إطلاعه أن “زوج أم محمد لا يحمل فكراً متطرفاً وانضمامه لداعش لم يستمر سوى شهر واحد فقط وكان بسبب العوز المادي ولحماية أطفالهِ من الجوع الذي أصاب الناس آنذاك”.

ويبرر سماح الأهالي بعودة عائلة أبو محمد دوناً عن عائلات آخرى بقوله: “لأنه لم يحمل سلاحاً ضد أحد لذلك سمح لعائلته بالعودة الى منزلها”.

وبحسب إحصائيات عراقية رسمية فإن 14767 عائلة انتمى فردٌ منها أو أكثر لتنظيم داعش في أربعة محافظات هي نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى، نزحت إلى مناطق أخرى أو جمعت في مخيمات خاصة، إثر انهيار التنظيم وتحرير هذه المحافظات من سيطرته منتصف 2017.

وعقد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في كانون الثاني/يناير 2017 شراكة تستمر لخمس سنوات مع لجنة تنفيذ ومتابعة المصالحة الوطنية في الحكومة العراقية لإطلاق مشروع دعم المصالحة المتكاملة في البلاد، بموازنة بلغت 50 مليون دولار أمريكي.

وتنفيذا لذلك البرنامج الذي يوصف من قبل الكثير من عائلات مقاتلي التنظيم بالمعقد والبطيء والذي يواجه صعوبات كثيرة في ظل وجود رافضين له، تم التواصل خلال العام الجاري مع 4000 عائلة من عائلات التنظيم لتأمين عودتها الطوعية إلى مناطقها في محافظتي نينوى والأنبار على أن تتبعها المزيد من العائلات خلال السنتين المقبلتين.

وبحسب بيان للبرنامج الإنمائي الأممي فأن ميثاق شرف قد وقع في ناحية المحلبية غرب الموصل في 14 تشرين الأول/أكتوبر2020 يقضي بعودة 1100 من عائلات داعش إلى الناحية والقرى المحيطة بها والتي كانوا قد نزحوا عنها في أوقات سابقة.

 

أوضاعُ العائلات في المخيمات

 تضم محافظة نينوى أربع مخيمات تأوي افراداً من عائلات التنظيم. وهي مخيمات (الجدعة 1، الجدعة 5، حمام العليل، جبل سنجار، ومخيم السلامية) وجميعها تُدار من قبل المنظمات الدولية وبالتنسيق المشترك مع وزارة الهجرة العراقية.

يقول خالد عبد الكريم العبيدي مدير الهجرة والمهجرين في نينوى أن عدد العائلات النازحة في المخيمات يبلغ اثنا عشر ألفاً أي ما يعادل 59 الف نازح، بحسب تفصيله.

ويعاني هؤلاء من نقص في الخدمات الصحية والتعليمية ويعيشون حالة من الانتظار والترقب الدائمين خشية ترحيلهم قسراً من هذه المخيمات التي لا يجد الكثيرون ملاذا غيرها بسبب الحرب التي أتت على منازلهم وأملاكهم.

ويوضح العبيدي بأن المدارس التي افتتحتها المنظمات الدولية داخل المخيمات، تعاني نقصاً في الكوادر التدريسية كما هو الحال في باقي أنحاء محافظة نينوى وأن لاشيء بوسع دائرته القيام به حيال ذلك لأن مهامها تقتصر على تقديم المساعدات الإغاثية وتوزيع النفط الأبيض للتدفئة في الشتاء.

أما فيما يتعلق بدور المنظمات الإنسانية العاملة في المخيمات لإعادة تأهيل العائلات ولاسيما التي تعود لعناصر من داعش، يقول أحمد صبحي القره غولي ممثل منظمة (بريدج) للإغاثة والتنمية في العراق أن منظمته نفذت برامجا داخل المخيمات منها ما يتعلق بالعلاج النفسي للأطفال “لكن هناك نقصٌ كبير في الامكانيات والمشكلة الأساسية هي الإفتقار إلى برامج تأهيل الأطفالِ على وجه الخصوص والعائلات بنحو عام”.

ويقترح القره غولي تعاون منظمات عدة في مشروع مشترك تدعمه الحكومة العراقية والأمم المتحدة لإعادة تأهيل الأطفال ودمجهم بالمجتمع. ويشدد عل أن “العائلات ما تزال وبعد ثلاثة سنوات من وجودها في المخيمات مجهولة المصير، ولا تعرف ما ينتظرها في المستقبل”.

ويشير القره غولي الى أن البرنامج الأممي الذي يسمى شعبياً بـ “عودة عوائل الدواعش” يدخل ضمن مهام  لجان المصالحة الوطنية وهنالك مناطق رحبت بعودة هذه العائلات كبعشيقة والمحلبية شرق الموصل وغربها. بينما رفضت ذلك مناطق أخرى إلا في حالات قليلة جداً، مثل ناحيتي الشورة والقيّارة جنوب الموصل.

وسبب الرفض بحسب مسؤولين أمنيين هو أن مناطق جنوب الموصل كانت تضم العدد الأكبر من المنتسبين للجيش والشرطة العراقيين وكانت تتعرض باستمرار لهجمات تنظيم داعش، مما تسبب بمقتل المئات.

 

التبرئة غير كافية

 في محاولة لمعالجة أوضاع آلاف العائلات النازحة التي انتمى أبناؤها لتنظيم داعش دون ايمان عقائدي وفقط من أجل إعالة أنفسهم، لجأت الحكومة ومن خلال القضاء إلى تبني ما يسمى التبرئة، وهي إجراءات للتدقيق في أوضاع جميع أفراد العائلات التي انتمى أحد أبنائها لداعش، قبل السماح لها بالعودة الى مناطق سكناهم.

لكن هذه التبرئة التي استندت إليها لجان المصالحة في مشروع الامم المتحدة الانمائي واجهت رفضاً عشائرياً في أنحاء متعددة من نينوى والتي هي في غالبيتها قبلية وتتبنى فكرة الثأر في العادة.

ويحدد الشيخ ميسر الحاصود الدليمي أحد شيوخ محافظة نينوى شروطاً لعودة عائلات عناصر التنظيم إلى المناطق التي تتركز فيها عشيرته جنوب نينوى، تتمثل في أن “يتكفل ذوو عائلات مقاتلي داعش بدفع دية لقاء العدد الكبير من أبناء العشيرة الذين قتلوا على أيدي مقاتلي التنظيم. وأن لا تتم العودة إلا بعد دفع الدية التي تعمل العشائر حالياً على وضع الحد الادنى لها. وفي حال تم ذلك يُجبر العائدون على الخضوع لدورة تأهيلية في مجال مكافحة الفكر المتطرف وأن يقدموا ما يثبت حصولهم على شهادة من منظمة مختصة بهذا المجال تؤكد فيها أن الفكر المتطرف لديهم قد زال”.

قاضٍ في المحكمة المختصة بقضايا الإرهاب، فضل عدم ذكر أسمه أو مكان عمله، يقول بأن التبرئة ليست قانوناً مشرعاً إذ لا يوجد له أصل في القوانين العراقية النافذة “وإنما عرفٌ تبناهُ القضاء من اجل تسيير معاملات العائلات المنتمي أحد أبنائها لتنظيم الدولة الإسلامية”.

ويتابع: “لهذه العائلات بعد أن تكمل إجراءات التبرئة الحق في العودة الى منازلها، لكن هناك مناطق يمنع شيخ العشيرة أو المختار أو مسؤول الحشد الشعبي فيها من عودتهم. ومثل هذه التصرفات فردية، لكنها تؤثر على السلم المجتمعي، لان منع هذه العائلات من العودة سيجعل أبناءها ينظرون إلى المجتمع بنظرة حقدٍ وكره، فهم أيضاً ضحايا سياساتٍ خاطئة”.

ويحذر القاضي من الاستمرار بعزل هذه العائلات، مشيراً إلى أن ” مرور الوقت وتراكم الكره تجاه المجتمع، سيجعلها تفكر بالانتقام مستقبلاً، مما يعني تدهوراً للأمن واستمرارا لحلقة العنف إلى جيل آخر”.

ممثل عشائر جنوب الموصل في هيأة الحشد الشعبي أبو يحيى الحاتم، يتفق مع طرح القاضي. ويؤكد بان بقاء هذه العائلات في المخيمات أمر سلبي وقد تترتب عليه في قادم الأيام مشاكل تصعب مواجهتها.

ويدعو الحاتم الحكومة العراقية إلى الاضطلاع بدورها والتنسيق مع شيوخ ووجهاء العشائر ومختاري المناطق التي تمنع عودة عائلات داعش. لكي يتم التوصل إلى ضمانات قانونية حقيقية لسلامتها وسلامة وأمن المنطقة ككل.

ويقول “هنالك فرقٌ كبيرٌ بين أن يكبر الأطفال في مجتمع متسامح يعتبرهم جزءاً منه وبين أن يكبروا محاصرين في مخيمات ويفكروا باستمرار بالانتقام ممن فعل بهم ذلك”.

 

17 الف طفل في المخيمات

وذكرت مصادر استخبارية تواصلنا معها بأن عدد الأطفال في عائلات عناصر داعش الموجودين في المخيمات يبلغ 17364 طفلاً، فضلاً عن تواجد أطفال مجهولي النسب تبلغ أعدادهم  743 طفلاً وهؤلاء يتم بين الحين والآخر احتضان البعض منهم من قبل عائلات في نينوى وخارجها.

ويحذر أستاذ علم الاجتماع حازم حسام الزبيدي، من مخاطر إبقاء هذه العائلات في المخيمات بقوله ” لقد كانت جزءاً من المجتمع والآن أصبحت غير مرحب بها وهذا يعني تشكل فجوة تؤثر على التماسك الاجتماعي، خاصة اننا نتحدث عن عشرات آلاف الأشخاص وليس بضعة مئات” .

ويشير إلى رصده ظواهر اجتماعية فيما أسماها مرحلة ما بعد داعش. منها عدم رغبة المقبلين والمقبلات على الزواج الاقتران بأشخاص من عائلات كان لها صلة بتنظيم داعش. كما أن لا رغبة للعائلات المحيطة بالتزاور مع هذه العائلات أو التفاعل مع مناسبات الفرح والحزن التي تحدث فيها.

في آب 2019 أفاد تقرير لـهيومن رايتس ووتش بأن السلطات المحلية في نينوى طردت أكثر من ألفي عراقي من مخيمات النازحين. فأجبر البعض منهم على العودة إلى مناطقهم الأصلية رغم المخاوف حيال سلامتهم فيها، بسبب تهديدات جيرانهم الذين يعتقدون أن لهم علاقة مستمرة بتنظيم داعش، وهوجمت عائلات بالفعل بواسطة قنابل صوتية ألقاها مجهولون على منازلهم جنوبي نينوى.

وكان وزير الهجرة والمهجرين نوفل بهاء موسى قد أعلن في أيلول/سبتمبر 2019 عن إغلاق أربعة مخيمات للنازحين في محافظة نينوى هي: “الجدعة الثاني والثالث، والمدرج، والسلامية الثالث”، وإعادة سكانها الى مناطقهم الأصلية وبينهم عائلات لعناصر من داعش.

لا نريدهم بيننا

يفرد حسام الدن 47 سنة، أصابع يديهِ معدداً أسماء أقرباءه الذين قتلوا برصاص تنظيم داعش منذ سنة 2006. يتوقف عند الرقم 12 ويقول بأسى ” ثمانية منهم كانوا من منتسبي الشرطة المحلية في نينوى وثلاثة في الجيش وواحد في الشرطة الاتحادية، كانوا يؤدون واجب حماية البلد وأيضاً كان مصدراً لرزق عائلاتهم التي أصبح معظمها  بلا معيل بعد مقتلهم”.

حسام الدين الذي يسكن ناحية القيارة التابعة لقضاء الموصل واثقٌ من أن أيتام أقربائه لن يتقبلوا العيش جنباً إلى جنب مع عائلات من قتلوا آبائهم ويؤكد بأن الكثيرين منهم مستعدين للانتقام من أي شخص يجدون أن له صلة بعناصر داعش.

غنية حميد من أهالي ناحية الشورة جنوب الموصل، فقدت ابنها النقيب سعد الذي قتله عناصر من داعش بهجوم مسلح في مدينة الموصل في شهر أيار/مايو سنة 2013. ترفض أي شكل من أشكال المصالحة مع ذوي عناصر التنظيم. وقالت ” من يطالب بعودة زوجات وأبناء الدواعش إلى منطقتنا لم يجربوا ألم فقدان الأحبة ولا يعرفون معنى أن يستشهد الولد وهو في مقتبل العمر”.

وطالبت الحكومة العراقية بملاحقة الفارين من عناصر داعش وإنزال أقصى العقوبات بحقهم وتعويض عائلات ضحاياهم بدلاً من تكريم عائلاتهم بإعادتهم إلى منازلهم كأن شيئاً لم يكن، على حد قولها.

وفي ناحية حمام العليل الواقعة جنوب الموصل أيضاً، لا يستبعد المزارع غسان عبد الغني 57 سنة  أن يستخدم تنظيم داعش عائلات عناصره كمخابئ لمقاتليه مستقبلاً مما يعني تدهوراً للأمن بعد فترة من الاستقرار والأمن.

واقترح توطين هذه العائلات في مناطق أخرى بعيدة وأن تتم فرض رقابة صارمة على تحركاتها لحين التأكد من أنها لم تعد تشكل خطراً على أحد وقال ” نادراً ما توجد أسرة في مناطق جنوب الموصل لم تفقد أحد أفرادها أو العديد منهم على أيدي إرهابيي داعش، لذلك لا نريد عائلاتهم بيننا. ستذكرنا بهم دائما وهذا ما لا نطيقه وعلى الحكومة العراقية أن تفهم ذلك جيداً “.

الفكر الارهابي مازال قائماً

 يمكن للزائر لمخيمات النزوح التي تضم عائلات عناصر تنظيم داعش أن يستمع إلى مفردات تدور على ألسنة النساء وحتى الأطفال مثل “الدولة الإسلامية، الخليفة، جنود الخلافة، الجهاد، الغزوات” وغيرها من الكلمات والعبارات التي تشير إلى موالاة قائلها للتنظيم.

السبب في ذلك كما يعتقد الناشط المدني جمال عبد الله، يعود الى رغبة هذه العائلات في إظهار سخطها من الطريقة التي تُعامل بها والظروف المعيشية الصعبة التي تواجهها. ويرى بأن الكثير من تلك العائلات ماتزال متمسكة بالفعل بما يسميه أفرادها خلافة الدولة الإسلامية على منهج النبوة، وغيرها من التعابير التي كان التنظيم يتداولها في إعلامه والمناطق التي يسيطر عليها. وهذا بحد ذاته سبب كافِ حسبما يعتقد جمال، لأن ترفض مناطق في نينوى عودتهم إليها.

وينبه جمال إلى أن الطفل الذي كان عمره خمس سنوات في سنة 2017 عندما نزحت عائلته الى المخيم، صار عمره الآن ثماني سنوات وما يستمع اليه يومياً من الأم الناقمة أو الأخت الغاضبة على العالم القائم خارج المخيم، قد يتحول إلى إيمان ربما يترجم إلى أعمال عنف انتقامية في سنوات مقبلة.

ورغم تأكيدات الحكومة على معالجة الملف بنحو يحقق العدالة والأمن واعادة بناء النسيج الاجتماعي وعملها على اغلاق المخيمات واعادة النازحين، لكن الوقائع على الأرض كما تصريحات عشرات المسؤولين وعوائل التنظيم وضحاياه تكشف بان الحكومة ماتزال تفتقر إلى استراتيجية متكاملة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وتربوية وثقافية وقانونية لمعالجة الملف بعد ست سنوات من سيطرة التنظيم على نحو ثلث البلاد.

 

مسؤولية ذلك، يحملها الدكتور احسان الشمري، رئيس مركز الفكر السياسي، لرئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي. وذلك لتجاهله لجان المصالحة الوطنية التي شكلها سابقه حيدر العبادي بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة.

ويلفت الشمري إلى أن تلك اللجان  أخذت بنظر الاعتبار كل المشكلات وكانت أقرب إلى الواقع من غيرها. وعقدت اجتماعات مطولة فيما بينها بشأن هذا الموضوع. ووضعت إستراتيجية للتحرك بالتعاون مع رجال الدين والحكومات للقيام بعمل جاد لدمج تلك العائلات بالمجتمع العراقي مجدداً.

وقال مختتماً حديثه “لو أن حكومة عبدالمهدي مضت في تطبيق برنامج المصالحة المجتمعية لكنا نرى الآن وضعاً مختلفاً ولتمكنا من حسم كثير من القضايا العشائرية التي ما تزال عالقة وتمنع عودة آلاف العائلات الى مناطق سكناها.  إنه ملف مقلق وتركه يشكل تهديدا مستقبليا لأمن البلاد”.

انجز التقرير بدعم من مؤسسة نيريج للتحقيقات الاستقصائية.

 

المزيد عن تحقيقات استقصائية

تحقيقات استقصائية","field":"name"}],"number":"1","meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":18237}" data-page="1" data-max-pages="1">